لحظات الانتظار املأها بالاستغفار

قوائم الموقع

السبب والمسبّب في التوكل والاسترقاء

18 يوليو، 2016 1313 عدد الزوار
<span class="share_in">شارك هذا المحتوى عبر </span>Share on Google+
Google+
Email this to someone
email
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Share on Facebook
Facebook

عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى الله تعالى وحده، عالمًا بأنه لا يقدر على جلب نفعي ودفع ضري سواه ثم قمت أتعرض بالأسباب، فأنكر علي يقيني، وقال: هذا قدح في التوكل.

فقلت: ليس كذلك فإن الله تعالى وضعها من الحكم. و كان معنى حالي أن ما وضعت لا يفيد و إن وجوده كالعدم. ومازالت الأسباب في الشرع كقوله تعالى: “و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك و ليأخذوا أسلحتهم”. وقال تعالى: “فذروه في سنبله”. و قد ظاهر النبي صلى الله عليه و سلم بين درعين، و شاور طبيبين، و لما خرج إلى الطائف لم يقدر على دخول مكة، حتى بعث إلى المطعم بن عدي فقال: أدخل في جوارك. و قد كان يمكنه أن يدخل متوكلاً بلا سبب. فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعاً للحكمة. و لهذا أرى أن التداوي مندوب إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي إلى أن ترك التداوي أفضل، و منعني الدليل من اتباعه في هذا فإن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء فتداووا). ومريبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا، أو ندبًا. و لم يسبقه حظر، فيقال: هو إباحة. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: (تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ما ينعت له). و قال عليه الصلاة و السلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كل من هذا فإنه أوفق لك من هذا). ومن ذهب إلى أن تركه أفضل احتج بقوله عليه الصلاة السلام: (يدخل الجنة سبعون ألفًا بلا حساب). ثم وصفهم فقال: (لا يكتون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون). وهذا لا ينافي التداوي؛ لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا ويسترقون لئلا تصبهم نكبة، و قد كوى عليه الصلاة السلام بن زرارة و رخص في الرقية في الحديث الصحيح. فعلمنا أن المراد ما أشرنا أليه. و إذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه علمي، و شرب ماء التمر هندي أوفق، و هذا طب. فإذا لم أشرب ما يوافقني، ثم قلت: اللهم عافني، قالت لي الحكمة، أما سمعت: [ اعقلها و توكل؟ ] اشرب وقل عافني، و لا تكن كمن بين زرعه وبين النهر كف من تراب، تكاسل أن يرفعه بيده، ثم قام يصلي صلاة الاستسقاء. وما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد، وإنما سافر على التجريد لأنه يجرب بربه عز وجل هل يرزقه أولاً، و قد تقدم الأمر إليه: (و تزودوا) فقال: لا أتزود، فهذا هالك قبل أن، يهلكه. و لو جاء وقت صلاة وليس معه ماء، ليم على تفريطه، و قيل له: هلا استصحبت الماء قبل المفازة. فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا فمرقوا عن الأوضاع الدينية، و ظنوا أن كمال الدين بالخروج عن الطباع، و المخالفة للأوضاع. ولولا قوة العلم و الرسوخ فيه، لما قدرت على شرح هذا و لا عرفته، فافهم ما أشرت إليه، فهو أنفع لك من كراريس تسمعها، و كن مع أهل المعاني لا مع أهل الحشو.

المصدر: [كتاب صيد الخاطر : ابن الجوزي]