لحظات الانتظار املأها بالاستغفار

قوائم الموقع

ما هو مفهوم الشفاء؟

1 يوليو، 2016 2533 عدد الزوار
Share on Google+Email this to someoneTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Facebook

الشفاء

هذا الموضوع يعتبر من أهم المواضيع في العلاج؛ لأنه الأساس والغاية من التداوي والعلاج وطلب الناس له وتخبّطهم من أجله، ووقوعهم في الحرام والشرك من أجل تحصيله. وللأسف الشديد أن كثيرًا من الناس أخطأوا في فهم الشفاء حتى أنك ترى المريض قد شفاه الله وإذا به وبذويه يقولون لم يشف بعد وأكثر ما يقع هذا ممن لم يفهم حقيقة الشفاء.

نسمع

كثيرًا أن المرضى بسبب إصابات العين والحسد والسحر والمس لا يشفون ويظلون بالشهور بل بالأعوام وهو يتلقون العلاج بالرقية الشرعية وهذا الكلام نسمعه غالبًا إما مِن حاسد أو مَن لديه مريض ولم يأذنِ الله بشفائه أو مريض به حالة نفسية أو مريض حصل له نوع من الشفاء مع بقاء شيء من مرضه وهذا الذي نسمعه يحتاج إلى تفصيل وتوضيح وبيان.

ما هو مفهوم الشفاء الحقيقي؟

إنّ أكثر الناس فهِمُوا أن الشفاء لابد أن يكون كاملاً تامًا (100%) وهذا غير صحيح وإن كان هو مبتغى كل مريض بل قد يكون لبعض المرضى ولا يكون لآخرين. بمعنى أنه قد يكون الشفاء 100% وقد يكون 70% وقد يكون 50% وقد يكون بنسب قليلة كأن تكون نسبة الشفاء (التحسن) 20% ونحو ذلك.

أمثلة:

المثال الأول: قد يصاب شخص بكسر في رجله وبعد العلاج

1- قد يرجع مثل ما كان برجله السليمة ولايظهر عليه أي تغير.

2- وقد لا يرجع مثل ما كان فيظهر عليه قليل من العرج.

3- وقد يؤول به الأمر أن يتوكأ على عصا.

النتيجة:

أنه في كل الحالات قد شفي ولكن بنسب مختلفة. فالأول: شفي شفاء تامًا والثاني والثالث أيضًا شفوا ولكن ليس مثل الأول.

المثال الثاني: المسحور والممسوس والمعيون

1- قد تنتهي منه كل الأعراض ويُشفى 100%.

2- قد يشفى من أمور كثيرة.

3- قد يشفى من بعض الأعراض بنسبة.

النتيجة

أنه في كل الحالات حصل له شفاء كلي أو جزئي.

هذا مفهوم الشفاء

لقد بين المصطفى أن الشفاء قد يكون كاملاً وهذا ما كان يدعو به ويأمر به المريض أن يدعو به فقد رقى ودعا فقال: (اللهم رب الناس مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقمًا).

وشاهدنا قوله شفاء لا يغادر سقمًا أي شفاء كاملاً لا يترك ولا يخلف مرضًا ولكن قد يكون وقد لا يكون فقد مات رسول الله متأثرًا بسُمّ شاة اليهودية حيث أن سبب موته هو: السمّ الذي أكله في خيبر من الشاة المسمومة التي قدمتها لهم اليهودية زينب بعد فتح خيبر. حيث قدمت وليمة للرسول وصحبه وكانت قد ملأت الشاة سمًا وبخاصة الذراع؛ لأنها تعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان أكثر ما يُحب من الشاة الذراع. وما أن أكل منها حتى أدرك عليه الصلاة والسلام أنها مسمومة فألقى بالذراع ولكن السم تسرّب إلى جسده الشريف وبقي السم يعمل مدة ثلاث سنوات ثم بعدها مات بهذا السم، وقال البخاري: وقال يونس عن الزهري: قال عروة: قالت عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما زال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم). وعند ابن سعد جمع من الشواهد لأمر احتجامه وتطببه من أثر ذلك السم الذي سم به يوم خيبر منها ماجاء عن عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن بن عباس ساق حديث السم ثم قال : (فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد شيئًا – أي ألمًا من أثر السم- احتجم قال: فخرج مرة إلى مكة فلما أحرم وجد شيئا فاحتجم وهذا فيه دلالة على أن المرض لم يزل وكان يحتاج إلى التداوي بالحجامة كلما زاد تأثيره مثل مايحدث في زماننا من الإصابة بالأمراض كالسكر والكلى والضغط ونحوه وحتى مسائل الإصابة بالعين والسحر والمس تدخل في هذا).

وهذا أبي بن كعب

تصيبه الحمى ولاتنفك عنه حتى مات بها فعن أبي سعيد قال: قال أبي: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، ما جزاء الحمى؟ قال: (تجري الحسنات على صاحبها) فقال: (اللهم إني أسالك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك. فلم يمس أبي قط إلا وبه الحمى). قلت: (ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا)، ومن ثم يقول زر بن حبيش: (كان أبي فيه شراسة).

وهاهم الصحابة

يصابون بالطاعون الذي هو من أذى الجن كما قال صلى الله عليه و سلم: (الطاعون شهادة لأمتي، ووخز أعدائكم من الجن، غدة كغدة الإبل تخرج في الآباط والمراق، من مات فيه مات شهيدا، ومن أقام فيه كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف) المراق: أسفل البطن. وممن مات من كرام الصحابة فيه، أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، والحارث بن هشام، والفضل بن العباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو مالك الأشعري، وسهيل بن عمرو، وابنه أبو جندل، وعتبة بن سهيل، وعامر بن غيلان الثقفي.. رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وقد فعل. ولم يشفوا مع أنه وخز الجن وهم قائمين راكعين ساجدين بل قال المصطفى المطعون والمبطون شهيد المطعون: هو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء، وقد فسره النبي – صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر حيث قال: (الطاعون شهادة لكل مسلم) [أخرجه البخاري: 2830، ومسلم: 1916] عن أنس – رضي الله عنه -.

ب- المبطون: هو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء، والحقن وهو: انتفاخ الجوف والإسهال.

مرضك الذي تطلب شفاءه هو شفاؤك من أمراضك الحقيقية

يشتكي أحدهم من السحر أو العين أو المس ويطلُب الشفاء وما علِم المسكين أن الله ابتلاه بهذا المرض وبهذه الشدة ليشفيه بذلك من أمراض كثيرة فمثلاً الحمى (ارتفاع درجة الحرارة): إذا أصيب بها أحد فزع وهرع ليخفض درجة حرارته مع أن فيها شفاء لأمراض كثيرة سأختصر بعضها لطولها. قال ابن القيم: [وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعًا عظيمًا لا يبلغه الدواء، وكثيرًا ما تكون حمى يوم سببًا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسببًا لتفتح سدد لم تكن تصل إليه الأدوية المفتحة… وأنا تصفيتها للقلب من وسخه ودرنه وإخراجها حبائثه فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه كما أخبر به نبيهم صلى الله عليه وسلم فالحمى تنفع البدن والقلب وكان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان].

وفي الطب الحديث قالوا:

[وقد استخدمت الحمى للتداوي من العديد من الأمراض إلى بداية القرن العشرين ومن ذلك معالجة الإفرنجي والرمد واللقوة والشلل بالحمى حيث يحقن المريض بمواد رافعة لدرجة حرارة البدن مسببة للحمى وما يزال لهذه الطريقة أنصار كثر يطبقونها لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية كالدمامل الناكسة والجمرة الحميدة والتهاب الجلد العصبي وغيرها والغريب حقًا أن يظهر العلاج بالحمى حديثًا لمعالجة مرض الايدز والذي أذاعته محطات التلفزة الأمريكية عام 1990م والحقيقة أن الحمى تؤدي إلى تفاعلات في الجسم بزيادة وسائل المقاومة واجتذاب الكريات البيضاء واشتداد المعركة بين العامل الممرض وجهاز المقاومة في البدن].
وكما قال المولى سبحانه وبين أن البلاء والضراء من حكمه أن يكون شفاء من غفلته وبعده عن الله فقال عزَّ من قائل:

“وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ” [سورة الأنعام: 42].

” وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ” [سورة الأعراف: 130].
” وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [سورة الأعراف: 168].
” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [سورة الروم: 41].
” وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [سورة الزخرف: 48].

وكم من المرضى الذين طالت فترة علاجهم وبذلوا الجهد في البرامج العلاجية من صلاة وتلاوة لسورة البقرة والقيام والصيام والصدقة مافهموا أن الشفاء الحقيقي هو رجوعهم إلى الله والإنابة اليه وكم سألناهم هل عبدتم الله من قبل كما تعبدونه الآن فيكون الجواب بالنفي: لا فنسألهم: هل إذا شفاكم الله ستستمرون على هذه الطاعة فيأتي الجواب بالنفي وعدم الاستطاعة وهذا أيضاً ذكره الأئمة من قبل في كلامهم عن شفاء القلوب وأنه مقدم على شفاء الأبدان.

خـاتمـة

الموضوع طويل ولكن اختصرت وأعقب كم نسمع من الأطباء إذا سئل أحدهم عن جدوى علاج دواء كان أو عملية فتكون الإجابات يكون الشفاء بنسبة 50% أو 20% ونحو ذلك وكم ممن اصيبوا بسرطان واستأصلوا منه ما استأصلوه وقطعوا ما قطَّعوه ثم بعد ذلك يُقال: شفي فلان من السرطان وإن فقد ما فقد وإن أعقبه أن يأخذ علاجًا مضادًا للأورام بقية حياته.

إهــداء

أحببت أن أنقل أسفله موضوع الشفاء من كتاب شرح أسماء الله الحسنى للشيخ سعيد بن وهف القحطاني لإتمام الفائدة.

اسم الله الشافي

الشفاء في اللغة هو البرء من المرض. يقال: شفاه الله يشفيه، واشتفى افتعل منه، فنقله من شفاء الأجسام إلى شفاء القلوب والنفوس.

والله سبحانه وتعالى هو الشافي فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: (اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا) [البخاري مع الفتح: 206/ 10 ، 210/ 10 – مسلم: 4/1721] وأبو داود وقال أنس رضي الله عنه لثابت البناني حينما اشتكى إليه: (ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) قال: (بلى). قال: (اللهم رب الناس مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقمًا). [البخاري مع الفتح: 10/206] فالله عز وجل هو الشافي من الأمراض والعلل والشكوك وشفاؤه شفاءان أو نوعان:

النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي:

وهو الشفاء من علل القلوب.

النوع الثاني: الشفاء المادي:

وهو الشفاء من علل الأبدان. وقد ذكر عز وجل هذين النوعين في كتابه وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء). [البخاري مع الفتح: 10/134] عن أبي هريرة

النوع الأول: شفاء القلوب والأرواح.

قال الله عز وجل: “يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين”. [سورة يونس: 57] والموعظة: هي ما جاء في القرآن الكريم من الزواجر عن الفواحش والإنذار عن الأعمال الموجبة لسخط الله عز وجل المقتضية لعقابه، والموعظة هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، وفي هذا القرآن الكريم شفاء لما في الصدور من أمراض الشبه، والشكوك، والشهوات، وإزالة ما فيها من رجس ودنس. فالقرآن الكريم فيه الترغيب والترهيب، والوعد، والوعيد وهذا يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير والرهبة عن الشر ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صلح القلب من مرضه تبعته الجوارح كلها فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. وهذا القرآن هدى ورحمة للمؤمنين. وإنما هذه الهداية والرحمة للمؤمنين المصدقين الموقنين كما قال تعالى: “وننزِّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا” [سورة الإسراء: 82] وقال: “قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاءٌ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمىً أولئك ينادون من مكان بعيد” [سورة فصلت: 44] فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى بهذا القرآن العظيم. فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمةً إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحصلت الرحمة الناشئة عن الهدى حصلت السعادة، والربح، والنجاح، والفرح والسرور. ولذلك أمر الله بالفرح بذلك فقال: “قل بفضل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون” [سورة يونس: 58].

والقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة وليس ذلك لكل أحد وإنما ذلك كله للمؤمنين به المصدقين بآياته العاملين به. أما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلاخسارًا. إذ به تقوم عليهم الحجة. والشفاء الذي تضمنه القرآن شفاء القلوب.. وشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها. فالله عز وجل يهدي المؤمنين “قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء” يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة. ويشفيهم تبارك وتعالى بهذا القرآن من الأسقام البدنية والأسقام القلبية؛ لأن هذا القرآن يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال ويحثُّ على التوبة النصوح التي تغسل الذنوب وتشفي القلوب. وأما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صمم عن استماعه وإعراض وهو عليهم عمىً فلا يبصرون به رشدًا ولا يهتدون به ولا يزيدهم إلا ضلالاً. وهم يدعون إلى إلا يمان فلا يستجيبون وهم بمنزلة الذي ينادى وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا ولا يجيب مناديًا. والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا ينتفعون بهداه ولا يبصرون بنوره ولا يستفيدون منه خيرًا أنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى بإعراضهم وكفرهم ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فينشئها إنشاءً ويحييها إحياءً ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها وفيما حولها. وناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم ولا يزيدهم إلا صممًا وعمىً وقلوبهم مطموسة لا تستفيد من هذا القرآن. وما تغيَّر القرآن ولكن تغيرت القلوب. والله عز وجل يشفي صدور المؤمنين بنصرهم على أعدائهم وأعدائه قال سبحانه: “قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم” [سورة التوبة: 14]. فإن في قلوب المؤمنين الحنق والغيظ عليهم فيكون قتالهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغم، والهم، إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله ساعين في إطفاء نور الله فيزيل الله ما في قلوبهم من ذلك وهذا يدل على محبة الله للمؤمنين واعتنائه بأحوالهم.

النوع الثاني: شفاء الله للأجساد والأبدان:

والقرآن كما إنه شفاء للأرواح والقلوب فهو شفاء لعلل الأبدان كما تقدم فإن فيه شفاء للأرواح والأبدان.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: (وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي بسهم) [البخاري 7/22، 6/150 – طبعة تركيا، مسلم 4/1727] وعن عائشة رضي الله عنها: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها) [البخاري 7/22 ، 6/605 – طبعة تركيا، مسلم 4/1723].

قال ابن القيم رحمه الله: [ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة، والنور الهادي والرحمة العامة الذي لو أنزل على جبل لتصدَّع من عظمته وجلالته]. [زاد المعاد: لابن القيم – 4/177] قال تعالى: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين” [سورة الإسراء: 82] ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض هذا هو أصح القولين. وعلى هذا فالقرآن فيه شفاء لأرواح المؤمنين وشفاء لأجسادهم. والله عز وجل هو الشافي من أمراض الأجساد وعلل الأبدان قال عز وجل: “وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقومٍ يتفكرون” [سورة النحل: 69]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: “يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس”: ما بين أبيض، وأصفر، وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها، وقوله: “فيه شفاء للناس” أي في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم قال بعض من تكلم على الطب النبوي : لو قال فيه شفاء للناس لكان دواء لكل داء ولكن قال فيه شفاء للناس أي يصلح لكل أحدٍ من أدواءٍ باردة فإنه حار والشيء يداوى بضده.. والدليل على أن المراد بقوله تعالى: “فيه شفاء للناس” هو العسل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أسقه عسلاً) فسقاه. ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً فقال له ثلاث مرات. ثم جاء الرابعة فقال: (أسقه عسلاً) فقال لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق الله وكذب بطن أخيك) فسقاه فبرأ. [البخاري مع الفتح: 10/139، مسلم 4/1736].

قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات فلما سقاه عسلاً وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالاً فاعتقد الأعرابي أنَّ هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ثم سقاه فازداد ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه وصلح مزاجه واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته عليه الصلاة والسلام. [تفسير ابن كثير: 2/576]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (الشفاء في ثلاث:شربة عسل ، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي) [البخاري مع الفتح 10/136] والله عز وجل هو الذي هدى هذه النحلة الصغيرة هذه الهداية العجيبة ويسَّر لها المراعي ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى وتمام لطفه بعباده وأنه الذي ينبغي أن لا يحب غيره ولا يدعى سواه. وأخبر الله عز وجل عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تبارك وتعالى: “الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين* وإذا مرضت فهو يشفين” [سورة الشعراء: الآية 78- 80]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: “وإذا مرضت فهو يشفين” أسند إبراهيم عليه الصلاة والسلام المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه، وخلقه ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا. ومعنى ذلك: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر تبارك وتعالى من الأسباب الموصلة إلى الشفاء. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد الأمة إلى طلب الشفاء من الله الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه ومن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن العاص أنه اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد و أحاذر). [رواه مسلم: 4/1728].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض) [أخرجه أبو داود: 3/187 ، الترمذي 2/410 ، أحمد 1/293] وانظر: [صحيح الترمذي 2/210، صحيح الجامع 5/180] فهذا تعليم من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أن يعتمدوا على ربهم مع الأخذ بالأسباب المشروعة فإنَّ الله عز وجل هو الشافي لا شفاء إلا شفاءه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بالشفاء، لأنه هو الذي يملك الشفاء والشفاء بيده تبارك وتعالى قال صلى الله عليه وسلم لسعدٍ: (اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعدًا) [البخاري مع الفتح 10/120، مسلم 3/1253] وقد كان صلى الله عليه وسلم يرقي بعض أصحابه ويطلب الشفاء من الله الشافي: (بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا) [البخاري: 7/24 – الطبعة التركية، مسلم 4/1721] وقد أوضح صلى الله عليه وسلم أن الله هو الذي أنزل الدواء وهو الشافي فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) [البخاري مع الفتح: 10/134] عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عزَّ وجل) [مسلم: 4/1729] وقال عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام). [أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه 4/7] وجاءت الأعراب فقالت: يا رسول الله ألا نتداوى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء، إلا داء واحدًا) فقالوا يا رسول الله ما هو؟ قال: (الهرم). [أخرجه أبو داود 4/3، الترمذي 4/383، ابن ماجه]. وانظر: [صحيح الترمذي 2/201 ، صحيح ابن ماجه 2/252].

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنزل الله داءً إلا قد أنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله). [أخرجه أحمد بترتيب أحمد شاكر: 5/201 برقم: 3578، ابن ماجه برقم:  3438] قال أحمد شاكر إسناده صحيح ورواه الحاكم 4/196 قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها ويجوز أن يكون قوله: (لكل داء دواء) على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يمكن للطبيب أن يبرئها ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر ولم يجعل لهم إليه سبيلاً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله. فالله عز وجل هو الشافي الذي يشفي من يشاء ويطوي علم الشفاء عن الأطباء إذا لم يرد الشفاء. فنسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يشفي قلوبنا وأبداننا من كل سوء ويحفظنا بالإسلام إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.