لحظات الانتظار املأها بالاستغفار

قوائم الموقع

العشر من رمضان

14 مايو، 2016 662 عدد الزوار
Share on Google+Email this to someoneTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Facebook

الخطبة الأولى:

الحمدلله فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء وموجده، الحمدلله الذي منَّ علينا بشهر الصيام ووفّق من شاء للصيام والقيام وادخر لعباده المؤمنين المشمرين ليال عشر باقيات فيهن خيرات وخيرات فاز من اغتنمهن وخاب وخسر من أهملهن وأضاعهن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله خير الورى، ومصباح الدجى، وشفيع من ارتجى شفاعته بإذن الرب جل وعلا، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بَعد: فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التّقوى، وراقبوه في السرِّ والنَّجوَى.

أيّها المسلمون: شرُفت هذه الأمّةُ بشهرٍ تتطهَّر فيه النفوس من العصيان والآثام ومن مساوئ الأفعال والخصال، يشغَل المسلِمون فيه أوقاتَهم بالطّاعة وتِلاوة القرآن، ينزِّه الصيامُ نفوسَهم، ويهذِّب القِيامُ أخلاقَهم، ويُلين القرآن قلوبَهم، يتسَابقون في ليالِيه بالفَضائل، ويتنافسون في أيّامه بالجود، وفي عَشرِه الأواخر تزكو الأعمال وتُنال الآمَال، تقولُ عائشة رضي الله عَنها: (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلتِ العَشر الأواخرُ أحيا الليلَ وأيقَظ أهلَه وشَدَّ المئزر) متّفق عليه.

وكان عَليه الصلاة والسّلام يضاعِف أعماله الصّالحةَ في شهرِ رمضان، ويخصّ العشرَ مِنها بالمضاعفةِ، تقول عائِشة رضي الله عنها: (كانَ رَسول الله يجتَهِد في رمَضان ما لا يجتَهِد في غيره، وفي العَشرِ الأواخر منه ما لا يجتَهِد في غيرها). رواه مسلم.

إنَّها سوقٌ يتنافَس فيها المشمِّرون، وامتِحانٌ تبتَلَى فيها الهِمَم.وفي العَشرِ الأواخرِ ليلةٌ مباركةٌ هِيَ تاجُ ليالي الدّهر، كثيرةُ البرَكاتِ، عَزِيزَة السّاعَات، القَليلُ مِنَ العمَلِ فيها كَثيرٌ، والكثيرُ منها مُضَاعَف، قال تعالى: “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” [القدر:3]، ينزِل مِنَ السّماءِ خَلقٌ عَظيم لشُهودِ تلكَ اللّيلةِ، وقال سبحانه: “تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ” [القدر:4]، القَائمُ في ليلَتِها بالتّعبُّد مغفورٌ له ذنبُه، يقول المصطَفى صلى الله عليه وسلم: (مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غفِر لَه ما تقَدَّم مِن ذَنبِه) متّفق عليه.

فيها تُفتَح الأبوابُ ويسمَع الخطاب، يصِل فيهَا الرّبّ ويقطَع، يعطي ويمنَع، يخفِض ويرفَع، تقول عائشة رضيَ الله عنها: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن عَلِمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةَ القدر ما أقول؟ قال: (قولي: اللّهمّ إنّك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عنّي) رواه الترمذي.

أيّها المسلِمون: أفضل الصلاةِ بعد الفريضةِ صَلاة الليل، ولم يكنِ النبيّ  يدَعُ قيامَ اللّيل في سفرٍ أو حضَر، وكان يصلّيهِ قائمًا وقاعدًا حتّى تتفطّر قدَماه. وسارَ رَكبُ الصحابة المبارك على هديِ ربِّهم في ذلك، قال عزّ وجلّ: “إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ” [المزمل:20]، وقال سبحانه في وصفِ الصحابة: “سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ” [الفتح:29]. والقيامُ للهِ في الظُّلَم من أعمَال أهل الإيمان، قال تعالى: “كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ” [الذاريات:17]. وصَلاةُ اللّيل أعظم ما يُرجَى وأزكَى ما يُقدَّم، وهي مِن أسبابِ دُخولِ الجِنان، يقولُ عليه الصّلاة والسّلام: (يا أيّها النّاس، أفشُوا السّلامَ وأطعِموا الطّعامَ وصِلوا الأرحامَ وصَلّوا باللّيل والنّاسُ نِيامٌ تَدخُلُوا الجنّةَ بسَلامٍ) رواه الترمذي.

ولَيالي رَمضانَ مبَشَّرٌ من قامَها بغُفرانِ الذّنوبِ، قال عليه الصلاة والسلام: (مَن قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتِسابًا غفِر لَه ما تقَدَّم مِن ذَنبِه) متّفق عليه[6].

أيّها المسلمون: الدّعاءُ حَبلٌ ممدود بين السّماء والأرض، وهو المغنَمُ بلا عَناءٍ ومِن أنفعِ الأدوِيَة للدَّاء، قال سبحانه وتعالى: “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ” [النمل:62].

في كلِّ ليلةٍ ساعةُ إجابةٍ، الأبوابُ فيها تفتَّح، والكَريم فيها يمنَح، فسَل فيها ما شِئتَ، فخزائِن الله ملأَى، والمعطِي كريم، وأيقِن بالإجابةِ فالربُّ قديرٌ، وبُثَّ إليه شكواك فإنّه الرّحيم، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ في اللّيلِ ساعةً لا يوافِقُها رجلٌ مسلِم يسأَل الله خيرًا مِن أمرِ الدّنيَا والآخرَةِ إلاّ أعطاه إيّاه، وذلك كلَّ ليلةٍ) رواه مسلم. ونَسَماتُ آخِرِ اللّيل مظِنّة إجابَةِ الدّعوات، قيل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الدّعاءِ أسمع؟ قال: (جوفُ اللّيل الآخر ودبُر الصلوات المكتوبة) رواه الترمذي. والعبدُ مفتقرٌ إلى محوِ أدران خطاياه والانكسار بين يدَي اللهِ والافتقارِ إليه، ومِن أرجَى أحوال التذلُّل الاعتكاف في بيتٍ من بيوت الله طلبًا لعفوِ الله، وكان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يعتَكف العشرَ الأخيرةَ من رمَضان. وإذا قرب العبد من ربِّه لطَفَ الله به، وساق إليه الإحسانَ من حيثُ لا يشعُر، وعصمَه من الشرِّ من حيث لا يحتَسِب.

أيّها المسلمون: إنّ الزّكاةُ رُكنٌ من أركانِ الإسلام ومبنًى من مبانِيه العظام، فيها تقوَى أواصِرُ المودَّة بين المسلِمين، وفيها تطهيرُ النفوسِ وتزكِيَتها من الشحِّ، يقول عزّ وجلّ: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” [التوبة:103]، وهِيَ حقٌّ واجِبٌ وشريعة عادِلة، فيها استِجلاب البركةِ والزيادةِ والخُلف من الله، ويقول تعالى: “وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ” [سبأ:39].

في الزكاةِ سموٌّ بالأرواح والأخلاقِ بالجود والسّخاء، بها يكتَمِل العدلُ ويعمُّ الرّخاء ويسعَد الفقراء، وهي حِليَة الأغنياء وزِينة الأتقياء ووصيَّة الأنبياء، قال عزّ وجلّ: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا- وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا” [مريم:54، 55].

وجاء الوعيدُ في حقّ من بخل بالزكاة ومنعها ونحن في شهر فضيل فقد جاء الوعيد الشديد بذلك حيث أن أكثر الناس تعودوا على إخراج زكاتهم في رمضان كزكاة أموالهم أو صدقات أو زكاة فطر وكما نعلم بأن زكاة الفطر وقت إخراجها في آخر يومين من رمضان قال سبحانه: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” [التوبة:34]، يَقول عَليه الصلاة والسلام: (من آتاه الله مالاً فلَم يؤدِّ زَكاتَه مثِّل له مالُه شجاعًا أقرع ـ وهو الحيّة التي سقطَ فَروةُ رأسِها مِن كَثرة سمِّها ـ له زبيبَتان، يُطوَّقه يومَ القيامة، ثمّ يأخذ بلِهزِمَتَيه- يعني شِدقَيه-، ثمّ يقول: أنا مالُك أنا كَنزك)، ثم تلا النبيُّ صلى الله عليه وسلم قوله عزّ وجلّ: “وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” [آل عمران:180] متفق عليه.

فتواضَع بقلبك للمِسكين، وابذُل له كفَّ النّدى وادنُ منه واحنُ عليه، ولا تحتقِر فقيرًا فإنّ أكثرَ أهل الجنة همُ الفقراء، وأنفِق بكرَم يدٍ وسَخاوةِ نفسٍ يبارَك لك في المالِ والوَلد، والصدقةُ دواءُ الأمراض والأعراض، فابتغوا الضعفاءَ والمحاويج، وارزُقوهم ترزَقوا، وارحموهم تُرحَموا، فما اشتَكى فقيرٌ إلاّ من تقصيرٍ غنيّ.

أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” [الحج:77].

بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفعني الله وإيّاكم بما فيه مِنَ الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تسمعونَ، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله عَلى إحسانِه، والشّكر له على توفيقهِ وامتنانه، وأشهد أن لاَ إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأَشهَد أنّ نبيّنا محمّدًا عَبده ورَسوله، صلّى الله عليه وعلَى آله وأصحابِه، وسلّم تسليمًا مزيدًا.

أمّا بعد: عباد الله ينادي ربكم يوم القيامة: (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم. هذا هو شهركم وهذه نهاياته، كم من مستقبلٍ له لم يستكملهُ، وكم من مؤمل بعود إليه لم يدركهُ، هلا تأملتم الأجل ومسيرَهُ، وهلا تبينتم خداع الأمل وغرورَهُ. فللشَّهر العظيم حرمتُه، وعلَى المسلم أن يتجنَّبَ خوارقَ صيامه وأن يحفظَ بصرَه عن النظرِ إلى المحرّمات وسمعَه عن السيئات، وأن يصونَ وقتَه عن الملهيات، فللوقتِ الباقي في هذا الشهر قيمتُه، وللزمن اليسيرِ فيه قدرُه، فيه تسكَب العبراتُ بكاءً على السيئاتِ، فكم لربِّ العزّة من عتيقٍ من النارِ، وكم من أسيرٍ للذّنوبِ وصَلَه الله بعد القطعِ وكتب له السعادةَ من بعد طول شقاء.

وعلى المرأةِ أن تتجنَّبَ عثراتِ الطريق، وأن لا تخرجَ إلى الأسواقِ إلاّ لحاجةٍ، مع التزامِها بالعَفافِ والسِّتر والحياء.وعلى المسلم أن يقدِّم في أيّام رمضان المبارَكةِ توبةً صادِقة بعملٍ مِن الباقيات الصالحات، فما الحياةُ إلاّ أنفاسٌ معدودة وآجالٌ محدودة، والأيّام مطاياكم إلى هذهِ الآجال، فاعمَلوا وأمِّلوا وأبشِروا، فالمغبونُ مَن انصرفَ أو تشَاغلَ بغيرِ طاعةِ الله، والمحرومُ من حُرِم ليلةَ القدرِ أو أدرَك شهرَ رمضان فلم يُغفَر له، قال عليه الصلاة والسلام: (رغِم أنفُ امرئٍ دَخل شَهرُ رمضانَ ثمّ خرج فلم يغفَر له) رواه مسلم.

وأما ليلة القدر ففي هذه الليلة المباركة العظيمة يحدث أمر عظيم، يقول عنه الخبير اللطيف: “فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ” [الدخان:4]، أي: في هذا الليلة يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة مقادير العام وما يحدث فيه، وما يكون فيه من الآجال والأرزاق والأحداث، قال بذلك ابن عمر ومجاهد والضحاك وغير واحد من السلف. فعجبًا لعبد تكتب مقاديره وما يحدث له طوال العام وهو في حالة غفلة عن الله، وما أسعد عبدا كان في تلك الليلة مقبلا مناجيا لربه ومولاه.هذه الليلة أكرمكم الله فيها بالأجر المضاعف العظيم، يقول سبحانه: “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” [القدر:3]. فما أعظمها من منحة، وما أكرمها من عطية، ليلة واحدة تقومها لله تكون خيرًا لك من عمرك كله، خير لك من ثلاثة وثمانين عامًا وربع العام، فأنت قد لا تعمر حتى تصل الثمانين، وإن وصلت فهل ستنفق عمرك كله في العبادة؟! عباد الله الصالحين، دعونا نقترب بالمثال أكثر من الواقع، فلو قيل لأحدنا في عمله: لو عملت شهرًا كاملاً متواصلاً سوف تعطى رواتب ثلاث وثمانين عامًا، ألا ينظر إليها بأنها صفقة رابحة؟! ألا يحاول أن يكيف ظروفه ووضعه وحياته ليتفرغ لأداء عمل ذلك الشهر ليحصل على المقابل؟! والمقابل هنا لا يتطلب جهدًا كبيرًا، فربكم لم يطلب منكم إلا عشر ليالي فقط، ويضمن العبد بذلك أنه قام ليلة القدر، وأنه قد حصل- بإذن الله- على أجر يزيد على عبادة ثلاث وثمانين عامًا، أفلستم معي بأنها صفقة رابحة من الكريم سبحانه؟! وليس هذا فقط ولكن استمعوا معي إلى ما أخبركم به نبيكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم بقوله: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري.

الله أكبر!! ليلة واحدة تقومها يغفر لك ما فعلت من ذنوب وخطايا طوال عمرك الذي مضى!! فأين أصحاب القلوب الحية الذين استشعروا كثرة ذنوبهم وعظيم خطاياهم من هذا العرض الرباني السخي؟! وما أشد غبن من فرط في ترصد هذه الليلة وقيامها.

أيها الأحبة في الله، إن هذا الأجر العظيم لا يلزمه أن يعرف المرء أي ليلة هي ليلة القدر، فمن قام ليالي العشر كاملة فهو بالتأكيد قد قام ليلة القدر، ويحصل أجر القيام لمن قام مع الإمام حتى ينصرف. فاتقوا الله ما استطعتم وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وجدّوا في العبادة تسعدوا وتفلحوا يا عباد الله.