لحظات الانتظار املأها بالاستغفار

قوائم الموقع

فهد اليحيى | 14 وجهًا في تحريم الاستعانة بالجن

15 مايو، 2016 989 عدد الزوار
<span class="share_in">شارك هذا المحتوى عبر </span>Share on Google+
Google+
Email this to someone
email
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Share on Facebook
Facebook

بسم الله الرحمن الرحيم

مع بيان موقف الشريعة الواضح من الاستعانة بالجن، لتحقيق مصالح دنيوية مشروعة أو إلحاق الضرر بالغير، وغيرها من الأمور التي يتاجر بها السحرة والدجالين، ظهر من يدعي أنه يستعين بالجن المسلمين فقط، للالتفاف على تحريم الإسلام تسخير الجن أو الاستعانة بهم، واستقطاب عدد أكبر ممن قد يظنون أن الاستعانة بالجن المسلم أمر مشروع، ولاسيما إذا كان الهدف شفاء مريض أو العثور على شيء مفقود دون إلحاق الضرر بأحد.
لكن ما هي مشروعية الاستعانة بالجن المسلم إذا كان هذا ممكنًا، وما هي دلائل تحريم استعانة الجن بالإنس. وغيرها من التساؤلات التي أجاب عنها د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بجامعة القصيم في بحث بعنوان: (مسألة الاستعانة بالجن المسلمين)، الذي يعرض من خلاله لدلائل تحريم الشريعة للاستعانة بالجن، حتى لو كان هذا الجن مسلمًا.

يقول د. اليحيى في مقدمة البحث:

للأسف ظهر في هذه الأيام بعض من كان يرقي الرقية الشرعية من يدّعون أنه يستعين بالجن المسلمين، وليس الكفرة من الجن، لمساعدة من يحتاج للمساعدة وصار هؤلاء يفعلون ذلك معتقدين أنه أمر مباح، مع أنهم يعتقدون أن استخدام كفار الجن لا يجوز وأنه من الشعوذة وصنيع السحرة، لكنهم لبعض الشُّبَه ظنوا جواز مثل هذا النوع من الاستعانة، لذا لا بد من بيان الحكم في هذه المسألة ليتضح لمريد الحق ذلك، ولقد تأملت هذه المسألة فظهر لي عدة أوجه لمنع الاستعانة بالجن المسلم كما يلي:
إن الاستعانة بالجن المسلمين نوع من الاستمتاع المذكور في قوله تعالى: “وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ” [سورة الأنعام: 128].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [الفتاوى: 13-80]: (قال غير واحد من السلف: أي كثير ممن أغويتم من الإنس وأضللتموهم، قال البغوي: قال بعضهم: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون لهم: من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهيئونها ويسهل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا، وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس، وعن محمد بن كعب قال: هو الصحابة في الدنيا، وقال أبن السائب: استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم، واستمتاع الجن بالإنس أن ما قالوا : قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في أنفسهم وعظما في نفوسهم، وهذا كقوله: “وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا” [سورة الجن: 6].
وقال ابن تيمية: (الاستمتاع بالشيء) هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال: “فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً” [سورة النساء: 24]، ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور بالذكور والإناث بالإناث، ويدخل في ذلك الاستمتاع بالأموال كاللباس ومنه قوله: “وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ” [سورة البقرة: 236]، وفي (الجملة) استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس قال تعالى: “الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” [سورة الزخرف: 67]، وقال تعالى: “وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ” [سورة البقرة: 166]، قال مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله، وقال الخليل: “وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ” [سورة العنكبوت: 25].
وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، فالجن تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه، والإنس تطيع الجن فتارة تسجد له وتارة تسجد لما يأمره بالسجود له، وتارة تمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة، وكذلك الجنَّيات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمه ما يريد نساء الإنس من الرجال، وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم.

ويستشهد الدكتور اليحيى بقول ابن تيمية: ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر الكهان، فإن في الإنس من له غرض في هذا، لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ذلك، فإن كان القوم كفارًا كما كانت العرب لم تبالِ بأن يقال: إنه كاهن كما كان بعض العرب كهانًا، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان، وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى الكهان وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم، وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن، بل يجعل ذلك من باب الكرامات وهو من جنس الكهان، فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي بأن يطيعه الإنسي في بعض ما يريده، إما في شرك وإما في فاحشة وإما في أكل حرام وإما في قتل نفس بغير حق.

فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان، ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم، وهم يأمرون السارق أن يسرق ويذهبون إلى أهل المال فيقولون: فلان سرق متاعكم أ.هـ.
قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ” [سورة النور: 21]، فأخبر الله تعالى أن الشياطين يتدرجون بالعبد شيئاً فشيئاً إلى أن يقع بالمعصية ، فلا يزالون به حتى يقع في الشرك.

ويقول الدكتور اليحيى ولا أظن- والله- هذا المسمى استعانة بالجن المسلمين إلا ضرباً من ضروب الاستدراج، فهم أنواع من الشياطين يستدرجون أولئك بزعمهم أنهم مسلمون، وأنهم لا يريدون سوى إعانة هذا (الذي نذر نفسه لعلاج الناس!!)، فيطلعونه على ما يعلمون ويخفى على صاحبهم، حتى إذا استحلى هذا النوع من المعرفة، وذاق هذا الطعم من الخصوصية ، وعسر عليه أن ينفك مما عرف به بين الناس، حين ذلك تستولي عليه الشياطين حقًا، لتملي عليه ما تقصده في الأصل من الاستمتاع الذي هو من صور الشرك كالسجود أو الذبح أو غير ذلك.

أن الله عز وجل قال: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ” [سورة الأنفال: 60]، فهذا أمر بالإعداد للجهاد، فكل ما يمكن الإعداد به فهو مما تشمله الآية بالأمر، ومعلوم أن الاستعانة بالجن في مثل معارك المسلمين من أعظم الإعداد، فلو لم يكن منهم إلا نقل المعلومات عن العدو لكان ذلك من أعظم أسباب القوة، ومع هذا كله فلم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة واحدة، ولا في بعثٍ أو سرية أنه استعان بالجن المسلمين.

بل إنه في غزوة الخندق في ليلة باردة رغب عليه الصلاة والسلام في التعرف على أحوال الكفار، فلم يجد إلا أن ينتدب من أصحابه من يأتيه بخبرهم، وقد كرر عليهم الطلب فلم يقم أحد، حتى أمر حذيفة رضي الله عنه بأن يأتيه بالخبر، قال حذيفة: فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، وذلك لشدة الأمر في تلك الليلة بين الخوف والبرد.

فلو كانت الاستعانة بالجن المسلمين جائزة لكانت تلك الليلة من أعظم أوقات الحاجة، إن لم تكن ضرورة، فما كان على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يدعو جنيًا ممن أسلم على يديه ليأتيه بالخبر في لحظة، دون أن يشق على أصحابه، فدل على أن الاستعانة بهم أصلاً غير واردة بل هي ممنوعة.

إنَّ قرين النبي صلى الله عليه وسلم قد أسلم كما ثبت في صحيح مسلم، ومع ذلك لم يُنقل عنه أبدا أنه استعان في شيء.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سُحر كما ثبت في الصحيحين، ولم يستعن بالجن المسلمين في معرفة السحر، بل إنه لم يعرف أنه في بئر ذي أروان حتى أخبره جبريل وميكائيل عليهما السلام.
ولا يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاستعانة بالجن المسلمين مع جواز ذلك، لكونه منافيًا، لكمال التوكل كما في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب؛ لأن الاستعانة بهم لو كانت جائزة لكانت من قبيل أمره عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه لقضاء بعض حاجته، أو كأمره حذيفة صلى الله عليه وسلم بأن يأتيه بخبر المشركين كما تقدم في الحديث السابق، مما لا يعتبر منافياً لكمال التوكل، فلما لم يحدث ذلك دل على أنَّ الاستعانة بهم هي من قبيل الممنوع، وليست من قبيل المأذون فيه.
ويضيف د. اليحيى في أوجه منع الاستعانة بالجن كما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك، فكذلك لم ينقل عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم من هذه الاستعانة شيء فيما أعلمه والله أعلم.
إن استخدام الجن خاص بسليمان عليه السلام كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك، ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة) أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان “رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي” فرددته خاسئًا”) متفق عليه.

ويقول د. اليحيى فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يتعدى إلى ما كان من خصوصيات نبي الله سليمان عليه السلام فكيف يستجيز المسلم لنفسه أن يقتحم ما وقف عنه النبي صلى الله عليه وسلم!!

إن الأخبار بالمغيبات – ولو كان غيبًا نسبيًا وهو ما يخفى على أحد دون أحد- هو مجال للافتتان من قبل المتحدث بذلك ومن قبل المستمع، وتهمة لمن تحدث بذلك أن يكون تلقاه بالسحر، والمسلم مأمور بتجنب مواطن الفتن والشبه.

إن التعامل هنا إنما هو مع الجن، وهو مجرد سماع كلام لا يمكن التأكد من خلاله من شخصية المتكلم، ومن ثم اليقين بأنه مسلم حقًا، أو هي مجرد دعوى، وتلبيس وخداع.. إن فتح هذا الباب يورث التلبيس على الناس والتشويش عليهم من حيث اختلاط المستعين بالجن المسلمين بالآخر المستعين بغير المسلمين، ثم لا يجد الناس فرقاً بينهم وبين السحرة والكهنة والمشعوذين.

أنه ما من أحد يخدم أحداً إلا ويأخذ مقابل ذلك منفعة أو يطمع في ذلك، فَلِمَ يخدم الجن المسلمون هذا الشخص المستعين بهم؟ ويتساءل د. اليحيى هل يعقل أنهم يفعلون ذلك احتسابًا، وهم يعلمون أن صاحبهم يتقاضى على ذلك أجرًا وعمولة؟! بل حتى لو لم يأخذ شيئًا فهم يعلمون أن فعله ذلك سيجعل له مكانة، ويصبح ممن يقصده الناس، فهم مع هذا لن يرضوا إلا بمصلحة يجدونها، فما المصلحة التي يستفيدها الجني من الإنسي في هذه الحال، وقد تقدم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يوضح أن الجني لا يخدم الإنسي إلا بما ينتفع به.
أن تحضير هؤلاء الجن من قبل المستعين بهم لا يتم إلا بنوع من التمتمات والغرف المظلمة وأشياء من هذا القبيل، كما سمعنا ممن يدعي الاستعانة بالجن المسلمين، وهذا الفعل المشبوه ما الدليل عليه؟ وأي فرق بينه وبين صنيع السحرة والمشعوذين؟

إن من جوز الاستعانة بالجن المسلمين قد يلزمه تجويز الاستعانة بالجن غير المسلمين، فإذا كانت الاستعانة بالجن كالاستعانة بالإنس فلا فرق بين الكافر والمسلم ما دام أن الحاجة المقصودة مباحة، كما يستعين المسلم بالكافر في المباحات، وإذا جوز الأمران فعلى العقيدة السلام.

إن أقل أحواله – تترلاً لا تسليمًا- أن يكون من المشتبه المأمور باجتنابه في أكثر من حديث، ولا سيما أنه يتعلق بجانب مهم شديد الحساسية جدير بالنأي عن كل ما يخدشه، وهو جانب الاعتقاد، والأحاديث التي قد توقي المتشابه كثيرة منها: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه.. الحديث) متفق عليه. وحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة.. هذا وإن مما أورث شيئاً من الشبهة لدى بعض من تعاطى هذا النوع من الاستعانة ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- مما صار مستمسكاً لبعضهم، ويعرض د. اليحيى ما في مجموع الفتاوى لابن تيمية في هذا الموضوع: في أحد المواضع يقول ابن تيمية -رحمه الله-: (والمقصود هنا أن الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه، ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب من الفاحشة فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الفكر فهو كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق وإما مذنب غير فاسق.

وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات: مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به.

وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ذلك من الجن، بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية وبين التلبيسات الشيطانية، فيمكرون به بحسب اعتقاده فإن كان مشركاً يعبد الكواكب والأوثان، أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممن صور ذلك الصنم على صورته من ملك أو نبي أو شيخ صالح، فيظن أنه صالح وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان قال الله تعالى: “وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ – قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ” [سورة سبأ: 40-41]

ولهذا كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها فيقارنها الشيطان عند سجودهم ليكون سجودهم له، ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون، فإن كان نصرانيًا واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان بصورة جرجس أو من يستغيث به، وإن كان منتسباً إلى الإسلام واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء في صورة ذلك الشيخ، وإن كان من مشركي الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك.

ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ممن له الخبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به، وإن كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم نقل أقوالهم له فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم وإنما هو بتوسط الشيطان، ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة فقال: يرونني الجن شيئًا براقًا مثل الماء والزجاج ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به قال: فأخبر الناس به ويوصلون إلى الكلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه.

وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها لم يعرفها، وقال إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة كما يدخل النار بحجر الطلق وقشور النارنج ودهن الضفادع وغير ذلك من الحيل الطبيعية، فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون نحن والله لا نعرف شيئًا من هذه الحيل.

فلما ذكر لهم الخبير: “إنكم لصادقون” في ذلك ولكن هذه الأحوال شيطانية، أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين له الحق، وتبين لهم وجوه أنها من الشيطان ورأوا أنها من الشياطين، لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي لله فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية، فعلموا انها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه، لا من كرامات الرحمن لأوليائه
وقال ابن تيمية في موضع آخر: واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء، منهم من يستخدمهم في المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم، وقد يظنون ذلك من كرامات الصالحين وإنما هو من أفعال الشيطانين، ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة إما إحضار ماله أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك.

وقال في موضع ثالث: وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام ، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره: عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: (يا رسول الله أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان) .. وفي صحيح مسلم أيضًا: عن عبيد الله عن نافع عن صفيه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا).
وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز، كما ثبت في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد فقال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء قال: فإني قد خبأت لك خبيئًا قال: الدخ الدخ قال: أخسأ فلن تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان).
وكذلك إذا كان ما يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به، وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة ، كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا” [سورة الحجرات: 6]، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة: (أن أهل الكتاب كانوا يقرأون التوراة ويفسرونها بالعربية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه) قال تعالى: “وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” [سورة العنكبوت: 46]، فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه.
وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر، وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسلم إبل الصدقة، وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشًا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال: هذا أبو الهيثم يريد المسلمين من الجن وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك بعدة أيام.

وعلى ضوء ما قاله بن تيمية يقف د. اليحيى عند عدد من الأمور يلخصها فيما يلي :

1- من فهم من كلامه- رحمه الله – الاستعانة المطلقة وعلى الصورة التي يفعلها من يدعي الاستعانة بالجن المسلمين من تحضير الجن بنوع من التمتمات والغرف المظلمة وأشباه ذلك، فقد أبعد النجعة وحمل كلام الشيخ- رحمه الله- ما لا يحتمل، بل قد سمعت شيخنا ابن باز- رحمه الله- وقد ذكر له ذلك يشكك في نسبته إلى شيخ الإسلام.

2- لو ثبت ذلك عن شيخ الإسلام- رحمه الله – ، وتنزلنا أن كلامه يقتضي جواز مثل هذه الصور التي يفعلها البعض، فإن العصمة للرسل- عليهم السلام – ، وماذا يضير الشيخ إذا كان اجتهاده في هذه المسألة مما له فيه أجر واحد حيث لم يصب فيه ؟! وماذا ينقص من قدره إذا تبين أنه أخطأ في هذه المسألة، بل في مائة مثلها وقد أصاب في آلاف من المسائل ؟! .. وإذا اجتهد فأخطأ في هذه المسألة وهو من أئمة المجتهدين فله عذره، وينطبق عليه ما ذكره هو- رحمه الله – في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
ولكن من احتج بجمرد كلامه فلا عذر له، إذ لا حجة في قول أحد سوى الوحي المنزل.

3- أن كلام بن تيمية- رحمه الله- في المواضع السابقة قد تضمن من التنبيهات ما يجب أن يقف معه من يأخذ بظاهر كلامه ، ومن هذه التنبيهات ما يلي:
– إن الشياطين أهل مكر وغدر وتلبيس وخداع، حتى أن بعض الشيوخ انخدع بهم ولبسوا عليه ، فصار يظن ما يحصل له كرامة من الله وإنما هو استدراج من الشيطان وتغرير وتلبيس، فلما تبين لبعضهم الحق تابوا وأنابوا.
وإذا كانت الشياطين كذلك فمن الذي قد ضمن لهذا المستعين بمن يسميهم مسلمين ألا يكونوا شياطين تخدع وتمكر لبوس الصالحين، لأجل استدراجه والإيقاع به وبقاصديه؟!

– من خداع هؤلاء الجن أن يخدعوا الإنسي بتحقيق غرضه وهم في الحقيقة لم يفعلوا فقد يزعمون أنهم أحضروا السحر، ويحملون له عقدًا وطلاسم ليست من السحر المزعوم في شيء، بل قد لا يكون المريض أصلاً مسحورًا، يوضح هذا ما قاله الشيخ- رحمه الله- في موضع آخر حيث قال فيمن يعزمون على الجن: (والمقصود ان أرباب العزائم من كون عزائمهم تشتمل على شرك وكفر لا تجوز العزيمة والقسم به، فهم كثيرًا ما يعجزون عن دفع الجني وكثيرًا ما تسخر منهم الجن، إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه فيخيلوا إليهم أنهم قتلوا أو حبسوه ويكون ذلك تخييلاً وكذبًا).

– إن سؤال الجن على وجه التصديق لهم لا يجوز ، ومن تأمل الاستعانة بهم وجدها أعظم من مجرد التصديق بل هي في الغالب متضمنة له مبنية عليه.

4- إن المواضع من كلام شيخ الإسلام التي قد يُفهم منها جواز الاستعانة بالجن المسلمين قد عارضها من كلامه ما يمنع الاستعانة مطلقاً كما تقدم في أثناء أوجه المنع المتقدمة.

5- أن ما ذكره ابن تيمية- رحمه الله- من القصة عن أبي موسى الأشعري أن أبطأ عليه خبر عمر رضي الله عنهما- وقد تمسك بها البعض- فالجواب عنها من وجوه :

الوجه الأول: أين هذا الأثر في كتب الأثر؟ فإني لم أجده إلا في كتاب: فضائل الصحابة للإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، قال: ثنا داود بن رشيد قال: ثنا الوليد يعني بن مسلم عن عمر بن محمد قال: ثنا سالم بن عبد الله قال: راث على أبي موسى الأشعري خبر عمر وهو أمير البصرة، وكان بها امرأة في جبتها شيطان يتكلم فأرسل إليها رسولاً فقال لها: مري صاحبك فليذهب فليخبرني عن أمير المؤمنين، قال: هو باليمن يوشك أن يأتي، فمكثوا غير طويل قالوا اذهب فأخبرنا عن أميرا لمؤمنين فإنه قد راث علينا، فقال: إن ذاك لرجل ما نستطيع أن ندنو منه إن بين عينيه روح القدس، وما خلق الله عز وجل شيطاناً يسمع صوته إلا خر لوجهه.
وقد أخرجه أيضًا بأخصر منه من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن عمر بن محمد بن سالم بن عبد الله.
وهذا الأثر ضعيف لما يلي:

1.في السند الأول: الوليد بن مسلم وهو عند ابن حجر من الطبقة الرابعة من الموصوفين بالتدليس، وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ولم يصرح الوليد هنا بالسماع من عمر بن محمد.

2. في السند الثاني: يحيى بن يمان العجلي، قال في التقريب: صدوق عابد، يخطئ كثيراً وقد تغير.

3.  مدار الأثر بروايتيه على سالم بن عبد الله يروي القصة لأبي موسى رضي الله عنه، ولم يذكر له سماع من أبي موسى، وهذا الأثر ضعفه محقق كتاب فضائل الصحابة، وقد أورده شيخ الإسلام- كما تقدم- بصيغة التمريض (روي).

الوجه الثاني: أن القصة لو ثبتت لم يكن فيها الاستعانة التي يقوم بها من يزعم ذلك من التحضير في الغرف المظلمة، والتمتمات، والحركات المستغربة، إذ هي لا تزيد على مخطابة مصروع فيما لا يترتب عليه أدنى عمل ، فهي كمن يسأل الجني المتلبس بالمصروع عن سبب دخوله ومتى دخل ونحو ذلك، وسياق إيراد هذه القصة من قبل شيخ الإسلام يدل على هذا المعنى، فإنه استشهد بها على سؤال الجن من غير تصديق لهم، ولم يستشهد بها على الاستعانة.
فإن قيل: فالاستعانة كالسؤال، فإذا جاز السؤال جازت الاستعانة، فيقال: إذا كان كذلك فيستعان إذاً حتى بالكفار!! لأن كثيراً من المتلبسين بالإنس إنما هم كفار، هذا من وجه.. ومن وجه آخر فإن السؤال الذي تسأله الجني المتلبس بالمصروع ليس سؤال استعانة، وإنما هو كالتحقيق مع المجرم، ولذا لا ينبغي سؤال عن العائن في العين، وعن السحر أين هو؟ ومن سحره؟ .. إلخ إلا على وجه التحقيق والاستدراج له، وليس على وجه الاستعانة، وكم كذب الشياطين في ذلك كثيراً، ولبسوا، وخلطوا، وزرعوا الشحناء والبغضاء.
ويقول د. اليحيى في هذا فإني أكبر فقه شيخنا ابن باز رحمه الله، وبُعد نظره حين سُئل عما يفعله البعض مما يُسمى بالتخييل، وهو أن يقول مخاطباً الجني: اخرج على صورة العائن، أو على خيال العائن، ثم يسأل الشخص: ماذا ورد في خاطرك ؟ فيذكر أسماء أناس يعتبرهم (الراقي) هم من أصاب هذا الشخص بالعين.
فلما سُئل الشيخ عن ذلك قال بكل بداهة وبساطة مع الفقه وقوة البصيرة: لا يصدقهم، هم يكذبون (يعني الجن) يقولون : عانه (أي أصابه بالعين) أبوه، أخوه، فلان، فلانة، هم يكذبون، يريدون أن يوقعوا الشحناء والبغضاء.

الوجه الثالث: أن القصة لو أخذنا منها جواز الاستعانة للزم من ذلك جواز مطلق الاستعانة من غير فرق بين جن مسلمين أو كافرين، وذلك لأن قرين تلك المرأة لم يُذكر أنه مسلم بل الأظهر أنه كافر ، وإذا قيل بمطلق الاستعانة فهذا هو السحر بعينه والشعوذة أو قرينهما.

الوجه الرابع: أن هذه القصة – على فرض صحتها- هي بعد ذلك كله حادثة واحدة قد يصح فيها ما يطلقه بعض العلماء فيما هو أصح منها وأوضح أنها حادثة عين لا عموم لها، فكيف يؤخذ بها ويطرح ما ذكرنا من الوجوه التي يكفي بعضها في الدلالة على المنع. والله أعلم.

الرجوع إلى : الاستعانة بالجن