لحظات الانتظار املأها بالاستغفار

قوائم الموقع

أبو رائد المالكي | الاستعانة بالجن والتحذير من كل ما يمس جانب التوحيد

15 مايو، 2016 1133 عدد الزوار
<span class="share_in">شارك هذا المحتوى عبر </span>Share on Google+
Google+
Email this to someone
email
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Share on Facebook
Facebook

حكم الاستعانة بالجن والتحذير من كل ما يمس جانب التوحيد
والرد على من نسب لشيخ الإسلام القول بجواز الاستعانة بالجن

بسم الله الرحمـــن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم أما بعد :
فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق من أجل عبادته كما قال تعالى في كتابه العزيز: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون” [سورة الذاريات:56].

والمقصود بالعبادة هنا أن نوحد الله بالعبادة. وتوحيد الله بالعبادة هو معنى قولنا لا إله إلا الله، قال الله تعالى: “فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم” [سورة البقرة:256].

والعروة الوثقى هي شهادة أن لا إله إلا الله. والذي يجب أن يعتقده كل مكلف أن الله سبحانه وتعالى ما خلقنا إلا لتوحيده وما أرسل الرسل إلا من أجل توحيده وما أنزل القرآن إلا من أجل توحيده لذلك قال العلماء القرآن كله توحيد.

وهذا المعنى الذي أشرنا إليه قد لفت النظر إليه كثير من العلماء. ومنهم مجدد دعوة التوحيد بحق الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فقد صدّر كتابه القيم (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) بهذه الآية “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون” [سورة الذاريات:56]. فإذا وحَّد العبد ربَه لم يبق عليه إلا الاستغفار، كما قال تعالى: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ” [سورة محمد:19]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [مجموع الفتاوى: 1/56]: [فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد فإنه لابد له منه وإذا لم يحصل له لم يزل فقيراً محتاجاً معذباً في طلب مالم يحصل له والله تعالى لا يغفر أن يشرك به وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار حصل له غناه وسعادته وزال عنه ما يعذبه ولا حول ولا قوة إلا بالله].

 فأمْر التوحيد أمر عظيم، لذلك نجد إن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كلها دعوة إلى التوحيد فهي في أولها دعوة إلى التوحيد وفي اثنائها دعوة إلى التوحيد وفي آخرها دعوة إلى التوحيد، فكما في الصحيحين: عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله).

وكما في صحيح البخاري:

عن ابن عباس قال لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس).

والحديث أصله عند مسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم حريصًا على تعميق معاني التوحيد في نفوسهم منكر كل ما يمسّ جانب التوحيد.

ففي مسند الإمام أحمد:

2430 حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله ما شاء الله وشئت فقال جعلتني لله عدلاً بل ما شاء الله وحده. وهو في الأدب المفرد للبخاري [وانظر الصحيحة 137، 138]

ولأهمية الدعوة إلى التوحيد نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ختم دعوته بالتذكير بأمر التوحيد محذرا مما ينافيه من اتخاذ القبور مساجد كما حدث ذلك في مرض موته ففي صحيح البخاري:

1244 حدثنا عبيدالله بن موسى عن شيبان عن هلال هو الوزان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا).

وقد بلغنا أن هنالك أناساً من الذين تفرغوا للمعالجة من مس الجن وما إلى ذلك، قد بلغ بهم الأمر إلى استخدام الجن في بعض أغراضهم الخاصة وسؤالهم عن أمور تخفى على السائل و يستعينون بهم في معالجة مرضى آخرين مصابين بالعين أو السحر أو المس .

فنقول مستعينين بالله تعالى، رغم أن عملهم هذا في أصله- وهو التفرغ للمعالجة من مس الجن- لا شاهد له من عمل السلف الصالح، فإن ما تلبس به من محذورات شرعية يوجب على دعاة التوحيد إنكاره والتحذير منه .
ورحم الله الإمام البربهاري فقد قال: (واحذر صغار المحدثات من الأمور فان صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت وصارت ديناً يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله أو أحد من العلماء فان وجدت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختار عليه شيئًا فتسقط في النار. ا.هـ

والآن قد حان وقت الشروع في بيان ما نحن بصدد التحذير منه:

أولاً: حكم سؤال الجن وتصديقهم فيما يقولون:

لا يجوز سؤال الجن أو سؤال من يستعين بالجن من السحرة والكهنة والعرافين عن أمر غيبي ومن ثم تصديقهم فيما يخبرون به؛ لأن هذا يقدح في توحيد الأسماء والصفات لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج من الملة كما حكم بذلك من لا ينطق عن الهوى فقد جاء في مسند الإمام أحمد:

عن أبي هريرة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).

وقد سئل شيخنا العلامة الإمام عبد العزيز بن باز حفظه الله عن هذا الكفر فقال: [هو كفر مخرج من الملة]. [انظر: شرح كتاب التوحيد (أشرطة)]

قال شيخ الإسلام رحمه الله: (مجموع الفتاوى: 19/62) [ وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام ].

ثانيًا: حكم سؤال الجن ولو لم يصدقهم السائل لغرض الاختبار أو غيره:

لا يجوز سؤال الجن أو سؤال من يستعين بالجن من السحرة والكهنة والعرافين ولو لم يتحقق التصديق لهم لأن ذلك ذريعة إلى الشرك وقد حرص الشرع على سد أبواب الشرك والتحذير من كل ما يمس جانب التوحيد و باب سد الذرائع من الأبواب التي أقرها الشارع وعمل به العلماء كما قال تعالى: “وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون” [سورة الأنعام:108].

وقد جاء في صحيح مسلم:

عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).

وقد جاء في بعض المصادر زيادة فصدقه في هذا الحديث وهو خطأ قد نبه عليه صاحب كتاب تيسير الغزيز الحميد الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع [انظر: ص406].

وقد ذكر الشارع حكمين لمن أتى كاهنا فسأله فدل ذلك على أن الأمر متعلق بالتصديق أو عدمه فإذا حصل التصديق كان ذلك كفرا وإذا لم يحصل التصديق كان ذلك محرما وهو ذنب دون الكفر والله أعلم .

وبذلك يظهر لك أن الأثر المنقول عن أبي موسى رضي الله عنه لا حجة فيه على فرض صحته وهو أمر مستبعد فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: [وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه أبطأ عليه خبر عمر رضي الله عنه وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة ].

وعلى كل حال فليس في الأثر إخبار عن الغيب بل عن أمر واقع فهو يقول: ترك عمر يسم إبل الصدقة وهذا ظاهر. وأما إن كان السؤال لمصلحة دينية ولم يكن يعلم السائل أن المسئول من الكهنة أو العارفين فيجوز بهذا القيد، لأن النهي جاء في إتيان الكهنة والعارفين وسؤالهم مهما كان القصد .
قال شيخ الإسلام رحمه الله: [مجموع الفتاوى: 19/62] [وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين:

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد فقال: (ما يأتيك؟ قال: يأتيني صادق وكاذب قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى قال: أرى عرشًا على الماء قال: إني خبأت لك خبيئًا قال: الدخ الدخ قال: اخسأ فلن تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان) أ.هـ.

قلت: والحديث فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أنه كاهن بل كان يغلب على ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الدجال ففي صحيح البخاري:

5707 حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الغلمان في أطم بني مغالة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بيده ثم قال: (أتشهد أني رسول الله فنظر إليه فقال أشهد أنك رسول الأميين ثم قال: ابن صياد أتشهد أني رسول الله فرضه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: آمنت بالله ورسله ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم خلط عليك الأمر، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم إني خبأت لك خبيئًا، قال: هو الدخ قال: اخسأ فلن تعدو قدرك قال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن هو لا تسلّط عليه وإن لم يكن هو فلا خيرَ لك في قتله

قال سالم: فسمعت عبدالله بن عمر يقول: (انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب الأنصاري يؤمان النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة فرأت أم ابن صياد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: أي صاف وهو اسمه هذا محمد فتناهى ابن صياد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تركته بين).

قال سالم: قال عبدالله: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: (إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور).

ثالثًا: حكم استعمال الجن لقضاء بعض الأمور المباحة:

كما هو معلوم أن الجن أمة أعطاها الله من الأمور الخارقة للعادة ما تتفوق به على جنس الإنسان ولذلك لا يمكن لأحد من البشر أن يسخر الجن لخدمته إلا إذا قدم لهم شيئا مقابل هذه الخدمة فإن المشاهد بين الناس اليوم أن الأخ لا يخدم أخاه إلا لمصلحة في الغالب ، هذا والخير في الناس أعظم مما هو في الجن .

قال شيخ الإسلام رحمه الله: [مجموع الفتاوى 19/41] [والمقصود أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعي ولهم أحيانًا مكاشفات ولهم تأثيرات يأوون كثيرًا إلى مواضع الشياطين التي نهي عن الصلاة فيها لأن الشياطين تتنزل عليهم بها وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابدي الأصنام وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة وكما تعين عباد الأصنام وعباد الشمس والقمر والكواكب إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب وقد تقضي بعض حوائجهم إما قتل بعض أعدائهم أو إمراضه وإما جلب بعض من يهوونه وإما إحضار بعض المال ولكن الضرر الذي يحصل لهم بذلك أعظم من النفع بل قد يكون أضعاف أضعاف النفع والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم الجن بها فإنه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتب سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه وقالوا كان سليمان يستخدم الجن بهذه فطعن طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا وآخرون قالوا: لولا أن هذا حق جائز لما فعله سليمان فضل الفريقان هؤلاء بقدحهم في سليمان وهؤلاء باتباعهم السحر].

فانظر إلى قوله رحمه الله: تخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان فلم يسميهم كهانا و هذا الوصف الذي شابهوا به الكهان ينطبق تماما على هؤلاء الذين نحن بصدد التحذير من فعلهم من سؤال الجن والاستعانة بهم. وانظر إلى قوله رحمه الله فضل الفريقان هؤلاء بقدحهم في سليمان وهؤلاء باتباعهم السحر فجعل فعلهم هذا ضربا من عمل السحر.

وهؤلاء الذين يستعملون الجن في قضاء حوائجهم ثلاثة أصناف:

1- صنف لا يطلبون ذلك من الجن وإنما الجن هي التي تعرض عليهم ذلك فهؤلاء هم المعنيين في كلام شيخ الإسلام السابق.

2- وصنف هم الذين يطلبون ذلك من الجن فهؤلاء يلحقهم ما يلحق الصنف الأول من المحاذير بالإضافة إلى ما يلي:

قال شيخ الإسلام رحمه الله: [مجموع الفتاوى: 1/181] [وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة] واحتج على ذلك بأدلة كثيرة منها الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده:

2537 حدّثنا يونس حدثنا ليث عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن عبد الله ابن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فلتسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف).

وكذلك ما جاء في صحيح مسلم:

729 حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وسلمة بن شبيب قال سلمة حدثنا وقال الدارمي أخبرنا مروان وهو ابن محمد الدمشقي حدثنا سعيد وهو ابن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي مسلم الخولاني قال: حدثني الحبيب الأمين أما هو فحبيب إلي وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله قال: فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئًا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه).

فهذه الأدلة تدل على كراهة سؤال الإنسي القادر الحاضر فإذا ضم هذا إلى ما سبق ذكره في الصنف الأول ظهر وجه التحريم ولو من باب سد الذرائع فإن الشريعة قد جاءت بأحكام من أجل حفظ جانب التوحيد. وقد ذكرها العلماء في باب حفظ جانب التوحيد قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك .

ومن جملة تلك الأحكام النهي عن النذر ففي صحيح مسلم:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل).

قال القاضي عياض: [شرح النووي: 11/99] [يحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر ويمنع من حصول المقدر فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك].

قال النووي: وسياق الحديث يؤيد هذا والله أعلم.

وكذلك ما جاء من النهي عن الاستسقاء بالأنواء ففي صحيح مسلم :

عن أبي مالك الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب).

وليس المقصود بالاستسقاء بالنجوم أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم فهذا حتى المشركين لم يكونوا يعتقدوه كما ذكر ذلك الشيخ سليمان في شرحه لكتاب التوحيد لقوله تعالى: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ” [سورة العنكبوت:63]، بل المقصود أن ينسب إنزال المطر إلى النجم مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم. وهذا قد يظهر لبعض الناس أنه لا محذور فيه ولذلك نقل الشارح رحمه الله أن فيه خلافا في مذهب أحمد وصرح أصحاب الشافعي بجوازه قال الشارح رحمه الله: [والصحيح أنه محرم لأنه من الشرك الخفي وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أمر الجاهلية ونفاه وأبطله وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودا في هذه الأمة إلى اليوم وأيضا فإن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك] [تيسير العزيز الحميد:455]

وباب سد الذرائع باب عظيم لا يفقهه إلا من وفقه الله فإن من القواعد التي اعتمدها العلماء في بيان الحلال والحرام من غير النصوص هي قاعدة سد الذرائع فما كان ذريعة أو وسيلة لحرام فهو حرام وما كان ذريعة أو وسيلة لواجب فهو واجب واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: “وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون” [سورة الأنعام:108]. وكذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي ‏الله عنها زوج النبي صلى ‏الله عليه ‏وسلم أن رسول الله صلى ‏الله عليه ‏وسلم قال: (لها ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم فقلت: يا رسول الله إلا تردها على قواعد إبراهيم قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت فقال عبدالله رضي ‏الله عنه لئن كانت عائشة رضي ‏الله عنها سمعت هذا من رسول الله صلى ‏الله عليه ‏وسلم ما أرى رسول الله صلى ‏الله عليه‏ وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم).

وكذلك ما جاء في السنة العملية كما جاء في السنن وفي مسند الإمام أحمد:

6700 حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن قيصر التجيبي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: (كنا عند النبي صلى ‏الله عليه‏ وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم قال: لا فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم قال: نعم قال فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله صلى‏ الله عليه‏ وسلم: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه).

قال الترمذي: 

727 حدثنا هناد وقتيبة قالا حدثنا أبو الأحوص عن زياد بن علاقة عن عمرو بن ميمون عن عائشة أن النبي صلى ‏الله عليه ‏وسلم: (كان يقبل في شهر الصوم) قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبي سعيد وأم سلمة وابن عباس وأنس وأبي هريرة قال: أبو عيسى حديث عائشة حديث حسن صحيح واختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى ‏الله عليه‏ وسلم وغيرهم في القبلة للصائم فرخص بعض أصحاب النبي صلى ‏الله عليه‏ وسلم في القبلة للشيخ ولم يرخصوا للشاب مخافة أن لا يسلم له صومه.

3- وأما الصنف الثالث: فهم الذين يسخرون الجن لخدمتهم بالقوة فهو يطلب الشيء منهم من باب طلب الأعلى من الأدنى فهو طلب أمر لا طلب ترجي و مثل هذا الصنف مثل ما كان يقع من سليمان عليه السلام ولا فائدة من الكلام عن هذا الصنف لأن أمرهم قد انتهى. وهذا الصنف لا يتطرق إليهم ما قاله شيخ الإسلام أن كل سائل راغب وراهب فهو عابد للمسؤول [مجموع الفتاوى: 10/ 239].

وعلى هذا يحمل كلام شيخ الإسلام كما نقله الشيخ السعدي في [طريق الوصول:ص134] قال: [واستخدام الإنس للجن مثل استخدام الإنس للإنس منهم من يستخدمهم في المحرمات ومنهم من يستخدمهم في المباحات ومنهم من يستعملهم في طاعة الله ورسوله].  والذي يظهر لي أن هذا النص هو عمدة كثير ممن وقع أو أفتى أو تأول كلام العلماء في هذه المسألة وقد أبنت لك على ماذا يحمل والله أعلم .

وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .

لا تجوز الاستعانة بالجن في معرفة نوع الإصابة ونوع علاجها؛ لأن الاستعانة بالجن شرك، قال تعالى: “وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا” [سورة الجن:6]، وقال تعالى: “وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليم” [سورة الأنعام:128]، ومعنى استمتاع بعضهم ببعض أن الإنس عظموا الجن وخضعوا لهم واستعاذوا بهم، والجن خدموهم بما يريدون وأحضروا لهم ما يطلبون، ومن ذلك إخبارهم بنوع المرض وأسبابه مما يطلع عليه الجن دون الإنس؛ وقد يكذبون فإنهم لا يؤمنون، ولا يجوز تصديقهم. والله أعلم.
وكتبه: أبو رائد المالكي

مكة- الزاهر

الجمعة: 25/5/1418هـ

الرجوع إلى : الاستعانة بالجن